مجمع البحوث الاسلامية
379
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ما أجرى « استفعل » مجرى « أفعل » كاستخلص بمعنى أخلص ، واستوقد بمعنى أوقد ، إلى غير ذلك . [ ثمّ استشهد بشعر ] ومنهم من فرّق بين استجاب وأجاب ، بأنّ استجاب يدلّ على قبول . ( 7 : 141 ) رشيد رضا : يقال : أجاب الدّعوة ، إذا أتى ما دعي إليه من قول أو عمل ، وأجاب الدّاعي ، إذا لبّاه وقام بما دعاه إليه ؛ ويقال : استجاب له ، وهو في القرآن كثير ، واستجاب دعاءه ، وكذا استجابه . [ ثمّ استشهد بشعر ، ونقل قول الرّاغب وأضاف : ] وهذا من دقائق تحديده للمعاني رحمه اللّه تعالى ، ولكنّه لم يحط به . وحقيقة الجواب والإجابة - كما يؤخذ من قوله - قطع الصّوت أو الشّخص الجوب أو الجوبة - وهي المسافة بين البيوت أو الحفرة - ووصوله إلى الدّاعي ، أي وصول ما سأله إليه بالفعل . وأمّا الاستجابة فهي التّهيّؤ للجواب أو للإجابة ، أي المستلزم للشّروع والمضيّ فيها عند الإمكان وغايته الإجابة التّامّة عند عدم المانع ، فالسّين والتّاء على معناهما . ومن دقّق النّظر في استعمال الصّيغتين في القرآن الحكيم يظهر له أنّ أفعال الإجابة كلّها قد ذكرت في المواضع المفيدة لحصول السّؤل كلّه بالفعل حقيقة أو ادّعاء ، دفعة واحدة . ومنه الإجابة بالقول مثل : نعم ولبيّك ولك ذلك . وأنّ الاستجابة قد ذكرت في المواضع المفيدة لحصول السّؤل بالقوّة أو التّهيّؤ والاستعداد له ، ومنه قوله تعالى : الَّذِينَ اسْتَجابُوا . . . فهو قد نزل في تهيّؤ المؤمنين للقتال في حمراء الأسد بعد أحد ، أو بالفعل التّدريجيّ ، كاستجابة دعوة الدّين الّتي تبدأ بالقبول والشّهادتين ، ثمّ تكون سائر الأعمال بالتّدريج ، وشواهده كثيرة . والاستجابة من اللّه القادر على كلّ شيء إنّما يعبّر بها في الأمور الّتي تقع في المستقبل ، ويكون الشّأن فيها أن تقع بالتّدريج كاستجابة الدّعاء بالوقاية من النّار ، وبالمغفرة وتكفير السّيّئات ، وإيتاء ما وعد به المؤمنين في الآخرة ، قال تعالى بعد حكاية هذا الدّعاء بذلك عن أولي الألباب : فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ آل عمران : 195 ، وكاستجابته للمؤمنين في بدر بإمدادهم بالملائكة تثبّتهم ، كما في سورة الأنفال . ( 9 - 12 ) ومن ذلك استجابته لأيّوب وذي النّون وزكريّا عليهم السّلام كما في سورة الأنبياء ( 82 - 89 ) كلّ ذلك ممّا يقع بالتّدريج في الاستقبال . وأمّا قوله تعالى لموسى وهارون حين دعوا على فرعون وملئه : قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما يونس : 89 ، فهو تبشير لهما بأنّه تعالى قد قبلها بالفعل ، وهذا من الإجابة القوليّة ، جاءت بصيغة الماضي للإيذان بتحقّق مضمونها في المستقبل ، حتّى كأنّها أجيبت وانتهى أمرها . وهذا المعنى تؤدّيه مادّة « الإجابة » دون مادّة الاستجابة . ولو ذكرت هذه المسألة بصيغة الحكاية لعبّر عن إعطائهما ما سألا بلفظ الاستجابة ، كما قال في شأن كلّ من أيّوب وذي النّون وزكريّا : فَاسْتَجَبْنا لَهُ .